هل الرقم “مليون” باحث (ماجستير ودكتوراه) في عشر سنوات هو رقم ضخم لدولة بحجم مصر تتخطى الـ 120 مليون نسمة؟
لو نظرنا للغة الأرقام الصرفة، سنجد أن النسبة لا تتجاوز 0.8% من إجمالي السكان. عالمياً، هذه النسبة ليست “تضخماً” كما يروج البعض، بل هي في الواقع “الحد الأدنى” الذي تحتاجه أي أمة تطمح للنهضة العلمية والصناعية.
إذن.. أين تكمن المشكلة؟
المشكلة لم تكن يوماً في “العدد”، بل في “المصير”. نحن لا نتحدث عن مجرد أوراق وحبر، نحن نتحدث عن:
• استثمار مادي ضخم: مليارات الجنيهات اقتُطعت من قوت أسر مصرية، ومن مدخرات شباب كافحوا لتمويل أبحاثهم في ظل ظروف اقتصادية طاحنة.
• استثمار زمني ونفسي: آلاف الليالي من السهر، والضغط العصبي، والجهد الذهني الذي لا يعرف قيمته إلا من خاض غمار البحث العلمي.
• طاقة أمل: كل رسالة نوقشت كانت تحمل وراءها باحثاً آمن أن علمه هو “قاطرة التغيير” لنفسه ولمجتمعه.
السؤال المواجه للدولة: أين التطبيق؟
هذا المليون باحث هم “جيش احتياط” من العقول الجاهزة للخدمة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بكل قوة: ماذا فعلت الدولة بهذه الكنوز؟
1. الفجوة بين البحث والواقع: لماذا لا تزال أزماتنا في الزراعة، الصناعة، الإدارة، والاقتصاد تُحل بـ “المسكنات”، بينما تضم أرفف الجامعات آلاف الحلول المبتكرة والموثقة علمياً في هذه المجالات؟
2. إهدار الكفاءات: حين يجد الحاصل على الدكتوراه نفسه في وظيفة إدارية روتينية لا علاقة لها بتخصصه، أو يضطر للهجرة ليُبنى بعلمه مجد دول أخرى.. أليس هذا هو “الفساد المقنع” للموارد البشرية؟
3. الاستثمار المفقود: كيف لدولة تبحث عن “التنمية المستدامة” أن تتجاهل مليون دراسة حالة، ومليون تجربة بحثية، ومليون محاولة للتطوير؟
الرسالة ليست “شهادة”.. الرسالة “إرادة”
هؤلاء الشباب لم يسعوا وراء “الوجاهة الاجتماعية” فقط، بل حاولوا “تغيير الواقع” بأدوات العلم. إنهم القوة الناعمة والصلبة في آن واحد.
المطالبة الآن ليست بتكريمهم بالدروع، بل بتكريمهم بـ “الاستخدام”.
افتحوا المعامل، فعلوا مراكز البحوث، اربطوا رسائل الماجستير بخطط الوزارات، اجعلوا قرار “المسؤول” مبنياً على نتائج “الباحث”.
